الباكورات
إذ تستقرّ إسرائيل في الأرض، على كلّ فلّاحٍ أن يأخذ أوّل ثمار الأرض الناضجة، ويضعها في سلّة، ويأتي بها إلى المكان الذي يختاره الله. وإذ يقدّم السلّة للكاهن، يتلو أحد إعلانات الامتنان العظيمة في التوراة، فيروي في سطورٍ قليلة رحلة الشعب كلّها: كيف نزل سلفه إلى مصر غريبًا تائهًا، وكيف نمت العائلة أمّةً، وكيف صرخوا تحت العبوديّة، وكيف أخرجهم الله بيدٍ قويّة إلى هذه الأرض التي تفيض لبنًا وعسلًا. تحوّل هذه التقدمة حصادًا خاصًّا إلى فعل ذاكرةٍ وطنيّةٍ وشكر. وإذ نال الفلّاح كلّ هذا الخير، يفرح أمام الله مع اللاويّ والغريب في وسطه.
العشور والعهد
ثمّ يصف موسى الإقرار الذي يرافق عشور السنة الثالثة، حين يؤكّد المرء أنّه أعطى بأمانةٍ الحصص المقدّسة للاويّ والغريب واليتيم والأرملة، غير محتبسٍ شيئًا. وبقوّة تلك الأمانة يجوز له أن يسأل الله أن ينظر ويبارك الشعب والأرض. يرتقي المقطع إلى عهدٍ متبادل: في هذا اليوم تؤكّد إسرائيل الله إلهًا لها، ويؤكّد الله إسرائيل شعبًا نفيسًا له، مرفوعًا عاليًا فوق الأمم في الحمد والمجد. شريكان، في الواقع، يختار كلٌّ منهما الآخر.
كلماتٌ على الحجارة
يأمر موسى والشيوخ الشعب أنّهم متى عبروا نهر الأردن، عليهم أن ينصبوا حجارةً كبيرة مطليّةً بالجصّ وينقشوا عليها كلّ كلمات هذه التوراة، بوضوحٍ وجلاء. عليهم أن يبنوا مذبحًا من حجارةٍ غير منحوتة على جبل عيبال، ويأتوا بقرابين، ويفرحوا أمام الله. ثمّ تأتي مراسم لافتة: تقف ستّة أسباط على جبل جِرِزّيم لتواجه البركة، وستّة على جبل عيبال لتواجه اللعنة، بينما يعلن اللاويّون سلسلةً من التحذيرات المهيبة ضدّ الخطايا الخفيّة كعبادة الأصنام وإهانة الوالدين وتحريف العدل للضعيف. وعلى كلٍّ منها يجيب الشعب كلّه: آمين، مُلزِمين أنفسهم بحياة استقامةٍ حتّى حيث لا تراهم عينٌ بشريّة.
البركات
يبسط موسى الوفرة التي تتبع حين تصغي إسرائيل حقًّا إلى صوت الله. ستبلغ البركة كلّ ركنٍ من الحياة: المدينة والحقل، ثمرة البطن وثمرة الأرض، السلّة ومعجن العجين، الدخول والخروج. الأعداء الناهضون سيتبدّدون، والمخازن ستمتلئ، وستُقرِض إسرائيل أممًا كثيرة ولا تقترض من أحد، قائمةً رأسًا لا ذنبًا. ليست هذه جوائز تُكسَب بالمساومة، بل الإزهار الطبيعيّ لمجتمعٍ يحيا في الولاء لله.
التوبيخ
ثمّ تلتفت البارشا إلى التوخاحاه (التوبيخ)، تحذيرٌ طويل صريح ممّا يجري إن تخلّى الشعب عن العهد. لا يلطّف موسى الصورة: يتحدّث عن المرض والجفاف والهزيمة والنفي ورعب أمّةٍ ضلّت طريقها، حتّى تنزل الكلمات بكامل ثقلها. غير أنّ الصراحة نفسها فعل محبّة، فمثل هذا التحذير لا يُقال إلّا لمن لا يزال مستقبله مهمًّا ويمكن أن يتغيّر. ومجرّد أنّ إسرائيل تُخبَر بكلّ هذا، سلفًا وبالتفصيل، يعني أنّ باب الطريق الأفضل يبقى مفتوحًا على مصراعيه. التوبيخ مقصودٌ لا ليسحق الرجاء بل ليوقظه.
أربعون عامًا من العناية
يجمع موسى إسرائيل كلّها ويطلب منهم أن ينظروا إلى كلّ ما شهدته عيونهم: العجائب في مصر، وأربعون عامًا في البرّيّة لم تبلَ فيها ثيابهم ولم تتفكّك نعالهم. يذكّرهم بأنّ الله أعالهم دون خبزٍ أو خمرٍ عاديّ حتّى يعرفوا، في أعماقهم، أنّه وحده إلههم. يستعيد كيف هزموا الملكين سيحون وعوج واستوطنوا أسباطًا في الأراضي التي فتحوها. تُختتم البارشا بمناشدةٍ أن يحفظوا كلمات هذا العهد ويحملوها في كلّ ما هم على وشك أن يفعلوه.
